"ليلةُ الوداع"
في ليلةٍ ماطرة كنتُ ألعب الشطرنج مع والدي، وكنتُ سأفوز للمرة الأولى لولا صوت الرصاص المنصب فوق رؤوسنا، مع صوتِ المدافع الذّي جعلني أشعر وكأن المنزلَ يطيرُ بين سحابات السّماء، لم يعتريني شعور الخوف، بل إني لم أشعر بأي شيء، وكأن مايحصل حلم لا أكثر، ماكنت أريده آنذاك هو فقط ألا أخرج، وأن تبقى جدارن منزلي تحمي عائلتي، لم أرَ أمّي تبكي، وحتى أنّ والدي كان يحاول طيلة تلك الأيام الأخيرة داخل منزلنا أن يلعبَ معي كلّ مايحلو لي، كانت هناكَ ابتسامة صفراء ترتسمُ على ثغرهِ وهو ينظرُ نحوي، وكأنهُ يخبرني من خلالها ألا أقلق، وأن جميع الأصوات ماهي إلا ألعاب الأعيّاد، مرَّت ثلاثةُ أيامٍ والأصوات تزدادُ قوة، وفي الليلةِ الرابعة غفوتُ على حضن والدي، وكأنني أخبرهُ إياكَ أنّ تبتعد، لأنني أشعر بأن الموت بات قريباً، وأنني أريدُ أن أرى وجوهَ أفراد عائلتي حتى اللحظة الأخيرة، استيقظتُ في الصّباحِ الباكر ووالدي يخبرنا أنهُ يجب علينا أن نسرعَ، لم أفهم لماذا، أو أني فهمت ولكن شعور العجز كان أكبر من طاقةِ تحملي، ماحصل هو أنني غادرتُ المنزل دون نظرةٍ أخيرة، ودون حمل أشيائي المفضلة، كان أبي يسرعُ بشكلٍ مرعب إلى حدٍ ما، لن أنسى ماحييت ماذا رأيت على حافةِ الطرقات، فألم المعرفة كان مختلفاً هذه المرة، يثقلُ الجسدُ والروح أيضاً، كانت أمّي تتطلبُ بأن أخفضَ رأسي نحو الأسفل كلما سمعنا صوتاً، وعجزي عن اللّحاق بخطواتِ والدي، جعلهُ يحملني بين يديهِ وهو يسابقُ الزمن، أو ربما الموت، طلبَ مني أن أغمضَ عيناي، لكنني لم أستطع سماع كلامه وبقيتُ أنظرُ حولي، وأحاول ترسيخ كل ما أشاهد في ذاكرتي اللعينة، إلى يومي هذا وأنا نادمة لأنني لم أنفذ ماطلبَ مني والدي، لربما لما حصل هذا، ولربما أستطع أن أواصلَ حياتي دون أن أفشلَ في كلِ محاولةٍ لمسحِ ذنبُ تلكَ الطفلةُ التي لم تغمضْ عيناها.
*حاولتُ كثيراً أنّ أطوي الصفحة، وأنسى ماحصل، لكن فشلت.
#الكاتبة_ريم_معتوق 🦋🖋️
#إعداد_بتول_الحسين🩷🕊
تعليقات
إرسال تعليق